محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

147

الآداب الشرعية والمنح المرعية

فصل في الإنكار على أهل الذمة " 1 " إذا فعل أهل الذمة أمرا محرما عندهم غير محرم عندنا لم نعرض لهم وندعهم وفعلهم سواء أسروه أو أظهروه . هذا ظاهر قول أصحابنا وغيرهم لأن اللّه سبحانه وتعالى منعنا من قتالهم والتعرض لهم إذا التزموا الجزية والصغار وهو جريان أحكام المسلمين ، ولأن المقصود إقامة أمر الإسلام وهو حاصل لا أمر دينهم المبدل المغير ، ولأن الإقدام عليهم بإنكار ذلك والتعرض لهم فيه يفتقر إلى دليل والأصل عدمه لأن من كان منهم فاسقا في دينه قد يترتب عليه شيء من أحكام الدنيا فلا تصح شهادته مطلقا ولا وصيته إلى غيره ولا وصية غيره إليه ، وإن فعلوا أمرا محرما عندنا فما فيه ضرر أو غضاضة على المسلمين يمنعون منه ويدخل فيه نكاح مسلمة ويدخل فيه ما ذكره القاضي في جزء له إنهم إن تبايعوا بالربا في سوقنا منعوا لأنه عائد بفساد نقدنا فظاهر هذا أنا لا نمنعهم في غير سوقنا ، والمراد إن اعتقدوا حله ، وفي الانتصار فيما إذا عقد على محرم هل يحل ؟ إن أهل الذمة لو اعتقدوا بيع درهم بدرهمين يتخرج أن يقروا على وجه لنا ، فظاهر هذا بل صريحه أن الأشهر منعهم مطلقا لأنهم كالمسلمين في تحريم الربا عليهم كما ذكروه في باب الربا ويدخل فيه ما ذكره القاضي في هذا الجزء أنه لا يجوز أن يتعلموا الرمي وكذا يمنعون مما يتأذى المسلمون به كإظهار المنكر من الخمر والخنزير وأعيادهم وصليبهم وضرب الناقوس وغير ذلك ، وكذا إن أظهر وأبيع مأكول في نهار رمضان كالشواء منعوا ذكره القاضي في الجزء المذكور أيضا ، وقال الشيخ تقي الدين فيما إذا أظهر أحد من أهل الذمة الأكل في رمضان بين المسلمين ينهون عنه فإن هذا من المنكرات في دين الإسلام كما ينهون عن إظهار شرب الخمر وأكل لحم الخنزير - انتهى كلامه . وإن تركوا التميز عن المسلمين في أحد أربعة أشياء : لباسهم وشعورهم وركوبهم وكناهم ألزموا به ولا يمنعون من نكاح محرم بشرطين ( أحدهما ) أن لا يرتفعوا إلينا ( والثاني ) أن يعتقدوا حله في دينهم . لأن ما لا يعتقدون حله ليس من دينهم فلا يقرون عليه كالزنا والسرقة ، وهذا الحكم من أصحابنا في هذه المسألة بهذا التعليل دليل على أن كل أمر محرم عندنا إذا فعلوه غير معتقدين حله يمنعون منه ويوافق هذا المعنى قولهم لا يلزم الإمام إقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه خاصة سواء كان لحد واجبا عليهم في دينهم أم لا استدلالا بفعله

--> ( 1 ) قد تكلم على أحكامهم الإمام ابن القيم في كتاب " أحكام أهل الذمة " وقد قمت بحمد اللّه بتخريج أحاديثه .